ابن أبي الحديد
83
شرح نهج البلاغة
واعلم أني أضرب لك مثلا تتخذه دستورا في كلام أمير المؤمنين ع ، وكلام الكتاب والخطباء بعده كابن نباتة والصابئ وغيرهما ، انظر نسبة شعر أبي تمام والبحتري وأبي نؤاس ومسلم ، إلى شعر امرئ القيس والنابغة وزهير والأعشى ، هل إذا تأملت أشعار هؤلاء وأشعار هؤلاء ، تجد نفسك حاكمة بتساوي القبيلين أو بتفضيل أبي نؤاس وأصحابه عليهم ؟ ما أظن أن ذلك مما تقوله أنت ولا قاله غيرك ، ولا يقوله إلا من لا يعرف علم البيان ، وماهية الفصاحة ، وكنه البلاغة ، وفضيلة المطبوع على المصنوع ، ومزية المتقدم على المتأخر ، فإذا أقررت من نفسك بالفرق والفضل ، وعرفت فضل الفاضل ، ونقص الناقص ، فاعلم أن نسبة كلام أمير المؤمنين ع إلى هؤلاء هذه النسبة ، بل أظهر ، لأنك تجد في شعر امرئ القيس وأصحابه من التعجرف والكلام الحوشي ، واللفظ الغريب المستكره شيئا كثيرا ، ولا تجد من ذلك في كلام أمير المؤمنين ع شيئا ، وأكثر فساد الكلام ونزوله إنما هو باستعمال ذلك . فإن شئت أن تزداد استبصارا ، فانظر القرآن العزيز - واعلم أن الناس قد اتفقوا على أنه في أعلى طبقات الفصاحة - وتأمله تأملا شافيا ، وانظر إلى ما خص به من مزية الفصاحة والبعد عن التقعير والتقعيب ( 1 ) والكلام الوحشي الغريب ، وانظر كلام أمير المؤمنين ع فإنك تجده مشتقا من ألفاظه ، ومقتضبا من معانيه ومذاهبه ، ومحذوا به حذوه ، ومسلوكا به في منهاجه ، فهو وإن لم يكن نظيرا ولا ندا يصلح أن يقال إنه ليس بعده كلام أفصح منه ولا أجزل ، ولا أعلى ولا أفخم ولا أنبل ، إلا أن يكون كلام ابن عمه ع وهذا أمر لا يعلمه إلا من ثبتت له قدم راسخة في علم هذه الصناعة ، وليس كل الناس يصلح لانتقاد الجوهر ، بل ولا لانتقاد الذهب ، ولكل صناعة أهل ، ولكل عمل رجال . * * * ومن خطب ابن نباتة التي يحرض فيها على الجهاد :
--> ( 1 ) التقعير : التعمق في الكلام والتشدق به ، ومثله التقعيب .